1. الرئيسية
  2. أطبّاء معتمدين
  3. المشافي التي نتعامل معها
  4. ألبوم الصور
  5. مكتبة الفيديو
  6. اتصل بنا

دكتورتي ريم عرنوق

           
  القائمة الرئيسية
  1. أدبيات طبية وإنسانية
  2. العلاقة بين الزوجين
  3. تغذية وفيتامينات
  4. الحمل المبكر و اضطراباته
  5. الإسقاطات والتشوهات الجنينية
  6. الحمل الطبيعي والجنين ورعاية الحامل
  7. اضطرابات الحمل والحمل المرضي
  8. المخاض الباكر والولادة الباكرة ...
  9. الأدوية خلال الحمل ...
  10. الصيام والحمل ...
  11. الولادة الطبيعية والقيصرية
  12. التوتر النفسي أثناء الحمل وبعد الولادة
  13. كل شيء عن فترة النفاس ...
  14. الوليد
  15. تحديد جنس الجنين
  16. الأمراض النسائية ـ مواضيع عامة
  17. كل شيء عن الدورة الطمثية ...
  18. سن البلوغ والمراهقة
  19. سن الثقة ( سن اليأس سابقاً )
  20. الأورام الليفية الرحمية ...
  21. كل شيء عن عنق الرحم
  22. المبيض وأمراضه وكيساته
  23. الثدي وأمراضه
  24. العقم وتأخر الإنجاب
  25. الخصوبة عند الرجل ... كل شيء عن النطاف
  26. وسائل منع الحمل
  27. إجراءات تشخصية وعلاجية في التوليد وأمراض النساء ...
  28. الإيكوغرافي الثنائي والرباعي
  تسجيل دخول المرضى
اسم المستخدم
كلمة المرور

الرئيسية > أدبيات طبية وإنسانية > ماذا شعرتُ بأول ولادة قمتُ بها بعد ولادتي لابنتي ؟؟؟


ماذا شعرتُ بأول ولادة قمتُ بها بعد ولادتي لابنتي ؟؟؟
في الرابع من شهر كانون الأول من عام 1992 , وفي تمام الساعة الرابعة صباحاً تمّت ولادة ابنتي الأولى نايا بخير وسلامة بفضل الله تعالى ...
كنتُ لا أزال في سنتي الثالثة من اختصاص التوليد والجراحة النسائية , وقبل ولادتي بساعات معدودة كنت على رأس عملي أقوم بفحص المريضات وتوليدهن وإجراء العمليات الجراحية لهن ...
في مشفى الجامعة حيث تدرّبتُ كطبيبة دراسات عليا سادتْ نوعاً ما شريعة تشبه شريعة الغاب , وهي بالتأكيد مزحة كبيرة مقارنة بالشريعة التي اكتشفتُ أنها تسود "سوق العمل الطبي " عندما تخرجتُ ودخلتُ الحياة العملية ...
كانتْ المريضات عبارة عن " حالات " يتم التنافس على نيلها , والولادات بالدور وكذلك العمليات ... طبعاً فاجأني منذ الأيام الأولى لدوامي الفوقية التي يتعامل بها الجميع حتى المستخدمين مع مريض المشافي العامة , وفاجأني أكثر البرود وعدم التعاطف مع الحامل داخل غرفة المخاض وخارجها حيث يتم زجز الماخض والصياح عليها لتصمت أو تهدأ , وحتى أني أذكر أن بعض الأطباء والممرضات كانوا يصفعونها على فخذها مثلاً حتى لا تتحرك , وفي أحسن الأحوال كان الطبيب أو الطبيبة يدخلون غرفة المخاض أو العمليات ببرود وتجهّم , مع وجه يشبه وجه لاعب البوكر أي وجه خالي من التعابير , فيقومون بعملهم بصمت ورزانة كأنهم يصلحون دولاب سيارة أو زنبرك ساعة ...
وقد قيلَ لي ودُرّسَ لي وأُوصيتُ بعدم التفاعل مع المرضى وخلق حاجز نفسي بيني وبينهم حتى لا أتورط عاطفياً معهم فيتأثر أدائي الطبي ...
من البداية , ومنذ اليوم الأول لاختصاصي لم ألتزم بكل تلك التعليمات من ألفها إلى يائها , وتورّطت بشدة مع المريضات عاطفياً ونفسياً وجسدياً أيضاً ...
كنتُ ولا أزال أرى نفسي إنسانة عادية جداً , بسيطة جداً , شعبية جداً , ومن العوام وعوام العوام , كنتُ ولا أزال أشعر بنفسي واحدة من مجموع الناس مثل جموع النساء السائرات في شوارع القاهرة في فيلم أفواه وأرانب ... أتذكرونه ؟؟؟ يعني امرأة بين ملايين الناس , لا تختلف عن أي امرأة أخرى بين ملايين الناس ... ولم أجد في حياتي فرقاً بين إنسان وآخر إلا بالتقوى , فلا أحد في الوجود أقل مني ولكن كل من يعمل خيراً مع أهله , مع عائلته , مع الناس , مع وطنه , مع الإنسانية , أكثر مني هو بالتأكيد أفضل مني بمراحل وأنا أغبّطه وأسعى لأكون مثله وهو قدوتي ........
ولأني كذلك منذ طفولتي فبالطبع لم أتغير , وفي الاختصاص عاشرتُ كل أنواع المريضات وتفاعلتُ معهن وضحكتُ معهن وبكيتُ معهن وتألمتُ معهن وأكلتُ وشربتُ معهن ونمتُ معهن أيضاً ... 
نعم نعم ... حدث ذلك ولا زال يحدث حتى اليوم , فلطالما جالستُ مريضات مشفى الجامعة واستمعتُ لقصصهن , وشتمتُ من ظلمهن , وضحكتُ على نكاتهن , وأكلتُ خبزهن وملحهن وزيتهن وزعترهن وشربتُ شايهن , وفي ليالي عديدة جداً ومتعبة جداً في سنتي الأولى من الاختصاص مُنعنا من ترك جناح المرضى ليلاً ودخول غرف المناوبة , وفي لحظات التعب الأقصى حول الفجر وبعد أن آخذ ضغط مريضة غافية في سريرها كنت أسجّل الضغط على جدول المراقبة ثم أدفع المريضة بهدوء باتجاه الحائط وأستلقي بجانبها وأوصي مرافقتها بإيقاظي عند سماعها الآذان لتصلي , وأتغطى بالحرام الصوفي وأستمتع بدفء الفراش وأنام لنصف ساعة كاملة ...
قد يخطر لكم أسئلة من نوع : ألم تقرفي وألم تشعري بمدري شو ؟؟؟
اطمئنوا ... في تلك اللحظات عندما يهدّ التعب والنعس والسهر المضني الجسد بعد 20 ساعة عمل متواصلة يختفي أي قرف وأي بطيخ ........
المهم نعود إلى 4 / 12 / 1992 يوم ولادتي بخير وسلامة بفضل الله تعالى لابنتي الأولى نايا ......
جاءني مخاضٌ سريعٌ عنيف امتد من الساعة 2 ـ 4 , أي ساعتين فقط , خلالهما طلعتْ روحي من أذنيّ ووجعني كل مافي حتى رموش عيوني , فكل طلقة تشبه طلقة رصاص من مسدس أكثر مما تشبه طلقة مخاض من رحم , تبدأ من بطني ولا تنتهي حتى تخرج من شعري وأطراف أصابع قدمي فتعجنني عجناً وتطحنني طحناً وتسحقني سحقاً , وبين تقلصة وأخرى أسائلُ نفسي : كيف تستطيع المرأة بعد هذا الألم الهائل أن تعيد التجربة ثانية وتحمل من جديد ؟؟؟ وقبل أن أجد جواب سؤالي تعصرني التقلصة التالية كما تعصر أفعى الأناكوندا ضحيتها ........
وانتهى كل شيء خلال دقائق , وشعرتُ بجسد نايا الصغير الناعم ينسلُّ مني كما تنسلُّ روح من روح , وامحى الألم فجأة وسمعتُ صرخة نايا الأولى ..........
ما علينا ومو هون موضوعنا ........
موضوعنا بعد هذه المقدمة الطويلة العريضة هو كالتالي :
بعد إجازة لمدة 27 يوماً فقط عدتُ للدوام ولغرف المخاض والعمليات وللمريضات وحكاياهن .... طبعاً لم أعد وحيدة , بل مع نايا مشنكلة على خصري ....... فماذا شعرتُ في أول ولادة قمتُ بها بعد إجازتي المرضية ؟؟؟
اسمعوني : 
في السنة الثالثة من الاختصاص نحن لا نقوم بالتوليد الطبيعي بل نشرف على السنوات الأدنى ونعلّمهم وندرّبهم ...
دخلتُ غرفة المخاض في مناوبتي الأولى بعد 27 يوماً من ولادتي , كان هناك طبيب السنة الأولى يراقب ويساعد وطبيب السنة الثانية يولد والقابلات والممرضات وأنا ......
منذ اللحظة التي وطئتْ بها قدماي جناح المخاض تسارعتْ دقات قلبي بعنف وانتابتني قشعريرة باردة لم أعرف سببها وظننتُ أن نافذة ما مفتوحة في برد كانون ...
دخلتُ الغرفة ووقفتُ على يمين المريضة , وبعد ثوانٍ جاءتها التقلصة فصرختْ ...
في اللحظة نفسها , ومثل رواية خيالية , تقمصتني روحها وجاءتني التقلصة ........
ألمٌ عاصرٌ في بطني ينتشر إلى ظهري وفخذي كموجات تسونامي عارمة ليصل حتى شعري وأطراف أطراف أصابعي ........ وصرختُ أنا أيضاً عندما وجدتُ إحدى القابلات تنهر المريضة وتدفشها على فخذها : لااااا ... اتركيها ... لا تلمسيها ... إنها تتألم .........
صُدمتْ القابلة والطبيب ...
ـ أرجوكم ارأفوا بها ... أنتم لا تعرفون حجم ألمها ... أنا أعرف ......... أنتم لا تشعرون بمقدار عذابها ....... أنا أشعر .........
كانت لحظات رهيبة , كل طعنة ألم ألّّمت بالمريضة في غرفة المخاض طعنتني في اللحظة نفسها , وكل دقيقة انفراج بين التقلصات أراحت روحي وأعطتني استراحة محارب ... وحين بدأ رأس جنينها يضغط تمزّقتْ أحشائي , وحين دفعتْ وكبستْ لتخلص نفسها من الألم دفعتُ معها وكبستُ حتى احمرّ وجهي , وحين تسارعتْ أنفاسها وتعرّقتْ تسارعتْ معها أنفاسي وتعرّقتُ , وحين تمدّد عجانها تقطّعت أوصالي واصطكتْ ركبتاي , وحين ولدتْ أخيراً انهرتُ على كرسي وقد توقفتْ قدماي عن حملي ...........
إنها تجربة من أصعب التجارب التي مررتُ بها في حياتي , إنها أصعب من ولادتي نفسها فقد نسيتُ ألم ولادتي وأعدتُ الكرة ثانية وأنجبتُ لين الحلوة , لكني أبداً لا أنسى اللحظات التي تلبستني فيها المريضة المتألمة وسكنتني فصرتُ أنا هي وتألمتُ ألمها وحملتُ معها صليبها ...........
مرّتْ سنوات خمس وعشرون ولا زلتُ أشعر بكل ما تشعر به مريضاتي , من ألم , من أمل , من حزن , من فرح , من قهر , من ذلّ , من شعور بالظلم واللاعدل , من معاناة ... والبارحة قرأت تعليقاً على منشور فحواه : دكتورة سمعت أنك هادئة وبتطولي بالك على الولاّدة ......
نعم أنا أطول بالي على الولّادة فأنا هي الولاّدة , نعم أنا أحزنُ على من تجهض فأنا هي من تجهض , نعم أنا أتعاطفُ مع من يظلمها زوجها أو أهلها أو أولادها فأنا أشعر بكل الظلم الذي يصيبها , نعم أنا ينسحقُ قلبي على من تفقد ابناً, والبارحة بكيت مع نسرين التي فقدت طفلتها ذات السبعة أعوام منذ أسبوع , لأن ابن كل مريضة هو ابني ... نعم أنا أفرحُ بكل حملٍ أراقبه وينجح بالوصول لبر الأمان , وبكل ولادة طفل صحيح معافى لمريضاتي , لأن كل أطفال مريضاتي سواء الذين ولدتهم أو راقبتهم وولدوا عند غيري هم أطفالي أنا , فلذة كبدي أنا , حشاشة روحي أنا ...
ومن هنا تأتي مصداقية ما أكتبه ........
أنا لا أنسى جملتي الأولى بعد أن صحوتُ من التخدير بأول عملية أجريت لي في حياتي وهي استئصال المبيضين والملحقات يوم الاثنين 30 / 9 / 2013 ...
نظرتُ إلى زوجي الذي أجرى لي العملية وقلت له بصوت يعصره الألم :
ـ يمان ..... أشكر ربي ألف ألف مرة أنني كنتُ دوماً من أنصار الولادة الطبيعية وجنبتُ الآلاف من مريضاتي القيصرية ... لأن وجع جرحي الآن لا يشبه أي ألم آخر ... مليون ولادة طبيعية لا تعادل ألم شق البطن ............
وزوجي أجابني :
ـ هلئ التهي بحالك يا مرا ... حتى وأنتي طالعة من العملية بدك تفكري بالمريضات ؟؟؟
طيب كيف لا أفكر بالمريضات وأنا هي المريضات والمريضات هن أنا ؟؟؟؟؟؟؟
( الصورة لإمرأة تلد في حوض ماء )
~~~
د . ريم عرنوق

الأسئلة والأجوبة

اكتب سؤالك

الاسم:
الهاتف:
*نص السؤال: