1. الرئيسية
  2. أطبّاء معتمدين
  3. المشافي التي نتعامل معها
  4. ألبوم الصور
  5. مكتبة الفيديو
  6. اتصل بنا

دكتورتي ريم عرنوق

           
  القائمة الرئيسية
  1. أدبيات طبية وإنسانية
  2. العلاقة بين الزوجين
  3. تغذية وفيتامينات
  4. الحمل المبكر و اضطراباته
  5. الإسقاطات والتشوهات الجنينية
  6. الحمل الطبيعي والجنين ورعاية الحامل
  7. اضطرابات الحمل والحمل المرضي
  8. المخاض الباكر والولادة الباكرة ...
  9. الأدوية خلال الحمل ...
  10. الصيام والحمل ...
  11. الولادة الطبيعية والقيصرية
  12. التوتر النفسي أثناء الحمل وبعد الولادة
  13. كل شيء عن فترة النفاس ...
  14. الوليد
  15. تحديد جنس الجنين
  16. الأمراض النسائية ـ مواضيع عامة
  17. كل شيء عن الدورة الطمثية ...
  18. سن البلوغ والمراهقة
  19. سن الثقة ( سن اليأس سابقاً )
  20. الأورام الليفية الرحمية ...
  21. كل شيء عن عنق الرحم
  22. المبيض وأمراضه وكيساته
  23. الثدي وأمراضه
  24. العقم وتأخر الإنجاب
  25. الخصوبة عند الرجل ... كل شيء عن النطاف
  26. وسائل منع الحمل
  27. إجراءات تشخصية وعلاجية في التوليد وأمراض النساء ...
  28. الإيكوغرافي الثنائي والرباعي
  تسجيل دخول المرضى
اسم المستخدم
كلمة المرور

الرئيسية > أدبيات طبية وإنسانية > في رحاب الاختصاص ...


لماذا أنا طبيبة نسائية وتوليد ؟ لماذا اخترتُ هذا الاختصاص وسلكتُ هذا الدرب ؟؟؟
شهر آب من عام 1990 ... تخرجتُ من كلية الطبّ البشري بمعدل ممتاز وكان يجب أن أختار اختصاصاً طبياً بين عدد كبير من الاختصاصات ...
قلبي يميل لاختصاص النسائية , ولكن روحي المتمردة دوماً اختارت اختصاص الجراحة العامة , وطبعاً بتشجيع من أهلي الذين لم يتركوا قريباً ولا بعيداً إلا وأحضروه لاقناعي بالعدول عن اختصاص النسائية والتوليد لصعوبته ومتاعبه ومستقبله المحفوف بالحرمان من الحياة الاجتماعية ...
ولأني شخصية مثيرة للجدل وتحبّ التفرد فقد اخترت أن أدخل اختصاصاً لم تسبقني إليه فتاة وهو خاص بالشباب : الجراحة العامة , وبعد 4 سنوات أتابع بالجراحة التجميلية وكان اختصاصاً نادراً وقتها ...
كان عدد من سبقوني من الطبيبات لدخول هذا الاختصاص لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة , لدرجة أنني عندما قدّمتُ أوراقي لرئيس القسم الأستاذ الدكتور سهيل سمعان أطال الله بعمره لما له من فضل عليّ , نظر إلي ببرود وقال :
ـ ماذا تفعلين هنا ؟؟؟
ـ أريد أن أباشر دوامي لديكم ...
ـ لك يا بنتي ما لقيتي غير الجراحة العامة ؟؟؟ قلة اختصاصات للبنات ؟؟؟
ـ بحب الجراحة أستاذ ...
ـ بتحبي الجراحة ؟؟؟ رح تكوني بنت وحدة بالسنة الأولى مع 79 شب ...
ـ رضيانة ...
ـ رضيانة ؟؟! طيب هي توقيعي على المباشرة وبوجهك على قسم الحروق ...
فرزني أستاذي إلى قسم الحروق ...
بدأ الدوام يوم الاثنين صباحاً ... مشفى المواساة ـ قسم الحروق ... عشرات المرضى المتألمين المتأوهين المصابين بمختلف درجات الحروق ... أطفال , رجال , نساء , كبار , صغار , جميعهم يتلوون وجعاً وينازعون الالتهاب وقصور الكلية واضطرابات السوائل والشوارد ...
صدمتني رائحة المعقمات في القسم حتى أني لا أستطيع نسيانها حتى اليوم , وجثم على صدري الجوّ الحزين المصائبي المشحون بالألم والموت ...
كانت هناك امرأة جميلة جداً في نهاية العشرينيات أوبداية الثلاثينيات مصابة بحرق من الدرجة الثالثة يشمل كامل جسمها من الأمام , من ذقنها حتى أسفل قدميها , وكانت تتألم , تتألم , تتألم بينما ينزلون جسدها العاري الأحمر الملتهب المكشوط الجلد في مغطس من المعقمات , تتألم وتصيح بصوت ضعيف :
ـ أبو اسماعيل ... شوي شوي ... الله يخليك يا عمو أبو اسماعيل ... آآآآه آآآه
وأبو اسماعيل هو الممرض المسن القوي الذي يحملها لينزلها في المغطس ... وعلمتُ أنها موظفة في قسم الحروق وهي رئيسة الممرضات في هذا القسم وقد اشتعلت ملابسها من زيت حار واحترقت كاوية معها جسدها , فدخلت إلى القسم الذي ترأسه , ليس كممرضة بل كمريضة .....
عدتُ إلى البيت يومها , وبالكاد استطعت الأكل ...
الثلاثاء دوامتُ في القسم وازداد شعوري بالاختناق , حيثما التفتُ أرى الناس المحروقين المتألمين فأتألم ويحترق قلبي وأنا عاجزة عن مساعدتهم ... في نهاية اليوم الثاني من الدوام نزلتُ إلى رئيس القسم وطلبت منه تغيير مكان دوامي , رجوته أن يفرزني لقسم العمليات بدل الحروق ... وافق أستاذي مع ابتسامة نصر صغيرة على شفتيه , وأرسلني إلى قسم العمليات , وإلى عمليات الجراحة التجميلية بالذات ...
الأربعاء صباحاً تنفستُ الصعداء وأنا أدخل قسم العمليات وأنزع صدريتي البيضاء لألبس البدلة الخضراء المعقمة وأدخل لأساعد في العملية الأولى ... أخيراً هربتُ من قسم الحروق والألم والعذاب ودخلتُ منطقة الأمان , وماذا كانت العملية الأولى التي شهدتها ؟؟؟ ترقيع جلدي للمريضة المحروقة رئيسة ممرضات قسم الحروق ........
أدخلها عمو أبو اسماعيل على النقالة لغرفة العمليات , وحملها ليضعها على طاولة العمليات بينما المسكينة تصيح بصوت ضعيف ضعيف :
ـ الله يخليك يا عمو أبو اسماعيل شوي شوي ... آآآآآآه آآآآه
قبل نهاية اليوم دخلتُ مكتب أستاذي الدكتور سهيل سمعان وطلبتُ منه مبتسمةً ومقرّةً بهزيمتي توقيع ورقة انفكاكي من قسم الجراحة فأنا لا أحتمل هذا الحجم كله من الألم , وبوجهي إلى مشفى الأطفال , مقابل مشفى المواساة , وقّعتُ المباشرة لأبدأ دوامي يوم الخميس كطالبة دراسات عليا في اختصاص الأطفال ......
ثلاثة أيام في مشفى المواساة كانت كافية لجعلي أكره اختصاص الجراحة وأنفر منه للأبد , وها أنا ذا أباشر في مشفى الأطفال حيث البيبيات الحلوين والفرح والضحكات واللعب مع الأطفال وأنتم تعرفون مدى عشقي لهم ........
الخميس الساعة الثامنة صباحاً دخلتُ جناح الأطفال الضاحكين المتراكضين المشاغبين اللاعبين حيث تخيلتُ نفسي معلمة في روضة أركض خلفهم وألاعبهم وأضحك معهم ... 
وأيّ أطفال وجدت ؟؟؟ آآآه ماذا أحكي لكم ؟؟؟
الغرف على اليمين غرف اللوكيميا سرطان الدم ... الأطفال يجلسون على أسرتهم شاحبين كالشموع , صلعاء وبلا حواجب , عيونهم حزينة بائسة غائرة في محاجرها , أصابعهم نحيلة مزرقة عروقها بارزة , وآثار إبر السيروم تملئ أذرعتهم الصغيرة ...
انهدّت روحي هدّاً ..... يا الله هل يعقل وجود كل هذه المعاناة ؟؟؟ ولماذا ؟؟؟
أسماء لا أنساها أبداً : صفاء , سامر , ناجي , محمد , ميس , ربى ...........
يا إلهي ...
خرجتُ من الغرفة إلى الممر وأنا أكاد أموت ... الغرفة على اليسار أطفال مصابون بالقصور الكلوي وبداء النفروز وبعضهم يحتضر , في الغرفة التالية الثلاسيميا , في التالية الأورام ........ 
أرسلتني السنة الأعلى مني إلى قسم الإسعاف لإحضار شيء ما ... في قسم الإسعاف الأطفال يصرخون , يبكون , بعضهم ينزفون , ووجدتُ على الأرض حذاء صغيراً مبللاً بالدم ... وأطباء يتحركون بسرعة وممرضات يحملن الإبر , وصراخ صراخ صراخ , وأمّ ريفية تجلس على الأرض وتبكي فطفلها يختلج منذ ربع ساعة وقد دخل نوبة صرع طويلة تسمى الحالة الصرعية , وهو يهتز ويزبد على طاولة الفحص دون انقطاع , والأطباء يحاولون جاهدين وبكل طاقتهم السيطرة على الاختلاج دون فائدة ...
نسيتُ ماذا طلبت مني السنة الأعلى ووقفت أتفرج مذهولة ... استمر المشهد للأبد ...
الطفل يختلج ويختلج فاقداً الوعي , أبوه يحاول تثبيته بينما الطبيب يعطيه الحقن وطبيب آخر يزوده بقناع الأكسجين , الطفل يشحب , يصبح رمادياً , يزرق وتتقلص أصابعه الصغيرة ويخبط بجسده ... الاختلاج لا يتوقف ... حنجرة الطفل تشنجت والأطباء لا يستطيعون تنبيب الرغامى لتزويده بالأكسجين ... رأس الطفل يتصلب إلى الخلف وعيناه نصف مفتوحتين وبيضاوان ... تشنجة طويلة طويلة تمتد لدقائق كأنها دهر ...... أم الطفل الجالسة على الأرض تبكي مغطية وجهها بردائها الريفي ... وفجأة يهدأ كل شيء ..... يرتخي الطفل , تتوقف التشنجات , تغلق العينان , تتوسع الحدقتان , يتوقف الاختلاج ويتوقف معه التنفس والقلب ... لقد مات الطفل ...
الأم تشعر بالهدوء المفاجئ , تنزل رداءها عن وجهها وتلتفت لتنظر مستفسرة : هل توقف الاختلاج أخيراً وارتاح صغيرها المصاب بالصرع ؟؟؟ هل زالت الغمامة السوداء عن حياته ؟؟؟ فتكتشف أن الصغير لا يتحرك أبداً والأطباء قد انفضوا عنه ... تنهض الأم فزعة , تهرع إلى الطفل ... يحتضنها الأب دامعاً ... تصرخ الأم : ما به ؟؟ ما به طفلي ؟؟؟ لماذا توقفتم عن إنعاشه ؟؟؟
يبكي الأب ويحاول إبعادها ... يغطون الطفل فتدرك الأم الحقيقة أخيراً وتصرخ : يا حبيبي .............
أستند أنا إلى الحائط وأبكي , أبكي , أبكي دون توقف ........
بعد ساعة صعدتُ كالدمية الخالية من المشاعر , كالروبوت , إلى الجناح ... السنة الأعلى مني غاضبة لأنني تأخرت في الإسعاف ولم أحضر المطلوب ... لم أنظر إليها ... شلحتُ صدريتي البيضاء , تناولت ورقة المباشرة , نزلت إلى رئيس القسم ووقعت ورقة الانفكاك ... أنا لا أحتمل ألم الطفولة , أنا أموت هنا إن قضيتُ يوماً واحداً آخر ... ولتكمل الحكاية بنهاية مناسبة ضغطت خطأ زر المصعد نازلة إلى مدخل المشفى , وبدل أن أضغط GF كبست -1 , أي القبو , فإذا أنا ببراد الجثث حيث أجساد الأطفال الموتى الصغيرة الملفوفة بشراشف بيضاء نظيفة تتوسد الرفوف صارخة بصمت : لقد رحلنا عن هذه العالم الظالم إلى رحاب عالم أحلى ....... 
يوم السبت سافرتُ إلى حلب لأباشر الدوام في قسم النسائية والتوليد في مشفى حلب الجامعي الكبير ........ ولهذا حكاية أخرى تسمعونها مني غداً ... انتظروني
~~~
د . ريم عرنوق

الأسئلة والأجوبة

اكتب سؤالك

الاسم:
الهاتف:
*نص السؤال: