1. الرئيسية
  2. أطبّاء معتمدين
  3. المشافي التي نتعامل معها
  4. ألبوم الصور
  5. مكتبة الفيديو
  6. اتصل بنا

دكتورتي ريم عرنوق

           
  القائمة الرئيسية
  1. أدبيات طبية وإنسانية
  2. العلاقة بين الزوجين
  3. تغذية وفيتامينات
  4. الحمل المبكر و اضطراباته
  5. الإسقاطات والتشوهات الجنينية
  6. الحمل الطبيعي والجنين ورعاية الحامل
  7. اضطرابات الحمل والحمل المرضي
  8. المخاض الباكر والولادة الباكرة ...
  9. الأدوية خلال الحمل ...
  10. الصيام والحمل ...
  11. الولادة الطبيعية والقيصرية
  12. التوتر النفسي أثناء الحمل وبعد الولادة
  13. كل شيء عن فترة النفاس ...
  14. الوليد
  15. تحديد جنس الجنين
  16. الأمراض النسائية ـ مواضيع عامة
  17. كل شيء عن الدورة الطمثية ...
  18. سن البلوغ والمراهقة
  19. سن الثقة ( سن اليأس سابقاً )
  20. الأورام الليفية الرحمية ...
  21. كل شيء عن عنق الرحم
  22. المبيض وأمراضه وكيساته
  23. الثدي وأمراضه
  24. العقم وتأخر الإنجاب
  25. الخصوبة عند الرجل ... كل شيء عن النطاف
  26. وسائل منع الحمل
  27. إجراءات تشخصية وعلاجية في التوليد وأمراض النساء ...
  28. الإيكوغرافي الثنائي والرباعي
  تسجيل دخول المرضى
اسم المستخدم
كلمة المرور

الرئيسية > أدبيات طبية وإنسانية > ناديا ...


هذه قصة طبية حقيقية ... يعني حالة سريرية أعجزتني وبنهايتها تعلمتُ درساً لن أنساه عن هذا التناذر النادر ... إليكم الحالة :
في وقتٍ ما من عام 1998 , وفي عيادتي الريفية الواقعة في بلدة صغيرة أقصى الريف الشمالي لحلب راجعتني امرأة حامل معها مرافقتان واحدة أمها والثانية أختها الكبيرة ...
أجريتُ لها إيكوغرافي وكل شي تمام , وفرح أهلها بالجنين وصوره وسارت الأمور على ما يرام ...
في اليوم التالي مباشرة جاءت أختها الكبيرة ومعها 4 مريضات , قالت لي :
دكتورة ريم أنا أحببتك وأنتِ أعجبتني وسأحضر الضيعة كلها لعندك ...
وبالفعل كل عدة أيام تأتي الأخت ولنفرض اسمها ناديا ( اسم وهمي ) مع عدد من قريباتها للكشف فتملئ العيادة الريفية الصغيرة كلاماً وضحكاً وفرحاً وحياة ...
وناديا في الثانية والثلاثين من عمرها , متزوجة وليس لديها أولاد , هي امرأة جميلة جداً , فاتنة , بيضاء ورغم ذلك بشرتها غير فاتحة بل يشوبها قليل من الحنطي , هي تشبه بياض رغيف الخبز الطازج , بياض الحنطة الخصبة ... عيناها ضيقتان بنيتان غامقتان لونهما بلون البندق وكلما ضحكت اختفت عيناها الصغيرتان وصارتا كشقين مرحين في وجهها الحلو , شفتاها غريبتان بالغتا الفتنة , من النادر أن تجد شفتين بنفس الحجم تماماً , دائماً ما تكون الشفة السفلى أكبر من العليا , أو الشفة العليا ذات انحناءات على عكس السفلى , لكن ناديا شفتاها متساويتان بالشكل والحجم تماماً كأنهما مرسومتان رسماً ... جسدها ممشوق يميل إلى الطول مع بعض الامتلاء الخفيف , وصوتها جميل وعالٍ يشبه أصوات الأجراس تعلن به عن قدومها لعيادتي ...
ناديا صارت " زبونة " مدوامة في العيادة , هي ومريضاتها , ولها دفتر تفقد خاص بها , أسألها يوم الاثنين : وينك السبت يا ناديا ؟؟ سجلتك غياب ...
تضحك وتجيب : على حسابك دكتورة ... رح داوم الأربعا بدل السبت ...
وفي يوم جاءت لي وحيدة دون قريبات وبنات خالات وعمات وقالت : اليوم دوري دكتورة ... أريدكِ أن تفحصيني ... وأخرجتْ ملفها المكون من عشرات عشرات الأوراق : تحاليل , صور , وصفات , إحالات , تقارير ...
متزوجة منذ 16 عاماً ولم يرزقها الله بأطفال ... اطلعتُ على تحاليلها وصورها : كلها سليمة , تحاليل زوجها وصوره : سليم تماماً , تقارير التنظير والمراقبات : طبيعية , كل شيء طبيعي ... لديها حالة تسمى طبياً : العقم غير المفسر , فلا يوجد أي تفسير لعدم حملها في منظورنا الطبي الحالي ...
لكن ناديا سعيدة بزواجها , فهي متزوجة من ابن عمها الذي يكبرها بأربع سنوات وهو حبّ حياتها , تحابا منذ طفولتهما كما أحبّ قيس ابنة عمه ليلى , وتزوجا وهو لا يزال في سنته الجامعية الثانية , طبعاً هي تركتْ المدرسة بعد الصف السادس الابتدائي على عادة بنات البلدة جميعهن , وتابع زوجها تعليمه الجامعي إلى أن تخرج من كلية الهندسة وصار مهندساً وموظفاً في دائرة حكومية في حلب , ترقى في وظيفته إلى أن أصبح مديراً لدائرته... يخرج في الصباح إلى عمله ولا يعود حتى العصر ...
وسألتني ناديا : ما الحل دكتورة ؟؟؟ ستة عشر عاماً والله ملينا وتعبنا ... لا يوجد طبيب في حلب أو حمص أو الشام أو بيروت إلا وزرته ... وكلهم يقولون كما قلتِ : أنتِ وزوجكِ طبيعيان ... إذاً لماذا لم أحمل حتى الآن ما دمتُ طبيعية ولا أعاني من شيء ؟؟؟ حتى طفل الأنبوب أجريناه مرتين رغم كلفته العالية وزوجي موظف كما تعلمين وعلى الفاضي , في كل مرة تأتيني الدورة في موعدها رغم الحقن والزرع والعذاب والروحة والجية والمصاري ... بتعرفي دكتورة ؟؟؟ أنا يأست وبدأت أفكر بتزويج زوجي كما يلحّ أهله علينا ...
أجبتها : لا تيأسي يا ناديا من رحمة الله ... الله كريم ...
تصمت ناديا وتطرق إلى الأرض شاردة لثوان , ثم ترفع رأسها وتبتسم ابتسامتها الفاتنة وتقول : إيه دكتورة ... إيمت جبلك بنت حماها لبنت خالتي ؟؟؟
مرت الأيام وولدتُ ابنتي الثانية لين وانقطعتُ عن الدوام في عيادتي الريفية لشهر كامل , ثم عاودتُ الرحلة اليومية إلى هناك , وعدتُ إلى مريضاتي وأضابيري وحالاتي ووصفاتي ... 
منذ الأيام الأولى لدوامي بعد الولادة لاحظتُ أن ناديا لم تأتِ حتى لتبارك لي , ومرّ شهر آخر ولم تأتِ ناديا ... صرنا في شهر آذار وهي لم تزرني مرة واحدة في ثلاثة شهور ...
وفي يوم ما , وقد صرنا حوالي 20 آذار 1999 , وكان نهاراً عاصفاً بارداً وماطراً انقطعت فيه الكهرباء بسبب الهواء الشديد , أنهيتُ عيادتي باكراً واستعددت للذهاب إلى البيت , وقبل أن أخرج انتبهتُ أن هناك مريضة في غرفة الانتظار ... كانت تجلس في زاوية الغرفة مسندة رأسها إلى الحائط ومتأملة السقف ... سيدة في نهاية الأربعينات كما بدت لي , متعبة ومريضة حقاً ...
ـ خير إن شالله يا أختي ؟؟؟ جاية تتعايني ؟؟؟
ـ كيفك دكتورة ريم ؟؟؟
ـ الحمد لله ... أنا أراكِ للمرة الأولى عندي ... سؤال أم معاينة ؟؟؟
ـ ما عرفتيني دكتورة ريم ؟؟؟
تأملتها في عتمة انقطاع الكهرباء والضوء الضعيف الآتي من الباب بسبب الغيوم والمطر ...
ـ لا والله يا حجة ... أنا آسفة ما عرفتك ...
ـ أنا ناديا ...
ـ ناديا مين ؟؟؟
ـ ناديا أم الدوام , ناديا أم المريضات بنات خالتها وبنات عمتها .........
ـ ناديا ؟؟؟؟؟؟؟؟؟ قومي وقفي لشوفك ... لك ما عرفتك ... كيفك شو أخبارك ؟؟؟ لك وينك وينك ... شبك ؟ ليش هيك وشك ؟؟ متغيرة كتير ...
ـ أنا مريضة يا دكتورة ريم ...
ـ ولي على قلبي ... فوتي لجوا لأفحصك ... تعي لغرفة المعاينة ...
أدخلتها لغرفة الفحص وأزحتُ ستارة النافذة لأراها جيداً وأنا غير مصدقة ما حدث لها من تغيرات , فوجهها الحلو الذي يشبه رغيف الحنطة الأبيض صار باهتاً نحيلاً بلون التراب المغبر , وعيناها الضيقتان المرحتان صارتا واسعتين بسبب نحول وجنتيها وفقدتا لونهما البندقي , صارتا سوداوين محمرتين وتحتهما جورتان لونهما يتراوح بين البني والبنفسجي , شفتاها ضخمتان متشققتان كشفاه الأسماك الميتة المعروضة في دكاكين بيع السمك , وقوامها نحيل نحيل كأنها فقدت نصف وزنها , ويداها مرتجفتان وظهرها محني كأنها تحمل جبالاً ...
ـ شبك ؟؟؟ شو صايرلك ؟؟؟
ـ مريضة ... تعبانة ... عم موت ... نزل وزني 25 كيلو ب 3 شهور , وما عم أقدر أمشي من هون لهون ...
ـ طيب تسطحي لأفحصك ...
الضغط منخفض , النبض ضعيف متباطئ , اللون شاحب ترابي ... التشخيص التفريقي : داء سكري شبابي مفاجئ , أو آفة كلوية أدت إلى قصور كلوي مزمن مع ارتفاع في البولة والكيرياتينين , أو مرض قلبي , قصور قلب وما شابه ... وممكن قصور درق ؟؟؟ لا هو يترافق بزيادة الوزن , طيب فرط نشاط الدرق ؟؟؟ لا فهو يترافق مع تسرع النبض ... معقول ورم خبيث في عضو ما يتآكل جسمها ؟؟؟ أو لعله سل رئوي يفتك برئتيها ؟؟؟ هذه كلها محاكمات أجريها في عقلي بسرعة فائقة لأتوجه إلى التشخيص ...
وبدأتْ رحلة الإحالات ... أحلتها إلى طبيب قلبية وتخطيط وإيكو : النتيجة : قلبها سليم ... طبيب صدرية وأشعة وفحوص : رئتاها سليمتان ... طبيب هضمية وتنظير معدة وخلافه : جهازها الهضمي سليم ... طبيب غدد صم وتحاليل : تحاليها سليمة , فقط انخفاض في الخضاب والحديد وفيتامين د , وهذا الانخفاض بالتأكيد لا يفسر انخفاض وزنها 25 كيلوغرام خلال 3 شهور ..... لم نترك طبيباً ولا صورة ولا تحليلاً يعتب علينا إلا وأجريناه والنتائج كلها سليمة عدا فقر الدم ...
واستمرت ناديا مريضة متعبة شاحبة فاقدة الشهية لا تستطيع الأكل , واستمر رجفان يديها وهبوط وزنها رغم كل المقويات وحقن الحديد والفيتامينات ......
في أول نيسان وفي يوم اشتدت فيه العواصف وبلغ المنخفض الجوي الربيعي ذروته , وبعد 10 أيام من رحلات الحج الطبي إلى جميع العيادات والمخابر في حلب , عادت ناديا من إحدى رحلاتها لتنزل من سيرفيس حلب ـ ....... أمام باب عيادتي , وتدخل لتنتظر نهاية عملي وتريني آخر تحاليلها ...
فرغتُ من عملي وخرجتْ آخر مريضة من عندي وبقينا وحدنا أنا وناديا وأغلقتُ باب العيادة ...
جلسنا ...
ـ ما آخر الأخبار ؟؟؟
ـ عدت لتوي من طبيب الأورام ... لا شيء ... هذه كل التحاليل والصور ... لا شيء 
ـ يا ربي مو معقول ... لم نترك طبيباً لم نزره , لابد أن هناك أمراً ما أغفلناه يقف وراء جميع الأعراض ...
ـ قولي لي ... وجهيني ... ألستِ طبيبتي ؟؟؟ 
ـ دعيني أفكر قليلاً ...
وساد صمتٌ لدقائق قطعه صوت ناديا الضعيف :
ـ دكتورة ريم ... ما رأيك هل أذهب إلى شيخ ؟؟؟ قالوا لي هناك شيخ قلبه لله في قرية العطشانة وهو يجترح المعجزات ... هل أزوره ؟؟؟
ـ يا ناديا ماذا سيفعل لك الشيخ أكثر من كل هؤلاء الأطباء ؟؟؟
ـ يكتب لي حجاباً للنوم لعلي أنام قليلاً ... أنا لم أنم منذ ثلاثة أشهر ...
ـ لم تنامي ؟؟؟ كيف لم تنامي لثلاثة أشهر ؟؟؟ في حدا ما بينام 3 شهور ؟؟؟
ـ إيه ... أنا ........
ـ لم تقولي لي أنك لا تنامين ...
ـ لم تسأليني ...
ـ طيب كيف لا تنامين ؟؟؟ تقصدين أنكِ تنامين نوماً متقطعاً ؟؟؟
ـ لا ... لا أنام أبداً ...
ـ ما هذا الكلام يا ناديا ؟؟؟ لا يوجد إنسان لا ينام مطلقاً ...
ـ أنا لا أنام مطلقاً ...
ـ لعلك تتأخرين بالسهر ؟؟ لعلك تستيقظين باكراً ؟؟؟ لعلك تنامين نهاراً وتصحين ليلاً ؟؟؟
ـ لا ... لا أنام لا في الليل ولا في النهار ...
ـ شو هالحكي ؟؟؟ كيف هيك ؟؟؟ وماذا تفعلين في الليل ؟؟؟
ـ حسب ...
ـ حسب شو ؟؟؟
ـ حسب هي ليلتي أم ليلتها ...
ـ لم أفهم ... ليلتك أم ليلة مين ؟؟؟
ـ ليلتها هي ... ضرتي ...
ـ ماذا ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
ـ ضرتي ... 
ـ زوجك تزوج ؟؟؟
ـ أجل ... قلتُ لكِ أنني سأزوّجه ...
ـ كيف حدث هذا ؟؟؟
ـ حدث هذا عندما ولدتِ أنتِ , كنتُ أراقب حملك طيلة الوقت والألم يقتلني ... أعود إلى البيت من عيادتكِ المليئة بالحوامل وأنتِ نفسكِ حامل , فأرى بيتي فارغاً هادئاً صامتاً كصمت مقبرة , وهو فعلاً مقبرة لا حياة فيها ... وأنا أكبر وأتقدم في السن , ولا أمل , لا أمل على الإطلاق ... يوم الثلاثاء لم تداومي , سألتُ جارتكِ فأخبرتني أنكِ ولدتِ ... عدتُ من عيادتكِ كالتائهة , لا أرى موقع أقدامي , يحرقني الحزن ويخرسني ويمزقني يقطعني ... ووجدت نفسي أتجه إلى دار عمي بدل داري , وأجلس بجانب مرت عمي حماتي العابسة دوماً بوجهي لأني ظلمتُ ابنها الحبيب وحرمته نعمة الأولاد وحرمتها فرحة رؤية أحفادها قبل أن تموت , أجلس بجانبها وأربت على ركبتها : مرت عمو ... سنزوج ابنك , أنا وأنتِ سنزوجه ..... 
لم تصدق حماتي , ولأثبت لها جدية عرضي استعرضنا سوية كل معارفنا المرشحات للزواج من زوجي واخترنا واحدة ...
كان الأمر سهلاً جداً يا دكتورة ريم , كأني كنتُ أخطط له منذ وقت طويل دون أن أدري , كأنه مشروع درسته لسنوات وبكل تفاصيله وها أنذا أنفذه , أسمّعه كتلميذ شاطر جداً , طالب متفوق يسمّع درساً حفظه عن ظهر قلب لعشرات المرات ... ومن جميع معارفنا اخترتُ لزوجي المرأة التي راود خيالي طيفها لسنوات : ابنة خالته الدرويشة ... أتعرفينها ؟؟؟ لا تعرفينها ؟؟؟ ومن أين ستعرفينها إن كانت ملازمة لدراها على الدوام , فهي فتاة بسيطة شبه متخلفة عقلياً , يقال أن أمها تعسرت بولادتها فجاءت هكذا وكبرت على هذا الشكل : سمينة , بشعة , قصيرة النظر ونظاراتها بسمك زجاج السيارات , سمراء وذات بثور في وجهها , وتتأتئ بكلامها , هذا إن تكلمت فهي نادراً ما تتكلم , وتفوح على الدوام رائحة عرق إبطيها الثقيلة المنفرة ...
من كل نساء القرية وحلب وسوريا والعالم اخترتُ هذه لتكون زوجة زوجي , قلتُ لأمه : أرضى بأن تكون لي ضرة كما ألححتم عليّ طويلاً , ولكن لن تكون سوى ابنة خالته , هي فقط ولا أحد غيرها ...
ولأن زوجي يحبني رضخ للأمر وكذلك فعلت حماتي , وماذا تريد حماتي أكثر من هذا ؟؟؟ كنتان لها , واحدة ابنة سلفتها والثانية ابنة أختها ... يعني زيتنا بدقيقنا وبسميدنا كمان ..........
بعشرة أيام تم الأمر برمته , خطبنا وجهزنا وعرسنا وجبنا العروس لبيتنا ... كنتُ خلال الأيام العشرة سعيدة جداً على عكس ما توقعته لدرجة أني سألتُ نفسي لماذا أجلّت الأمر كل هذا الوقت الطويل مادام سهلاً هكذا ... 
وفي الليالي العشرة التي سبقت عرس زوجي كنتُ أضطجع بجانبه وأرفض رغبته بمضاجعتي وأهمس له : أريدكُ أن تكون قوياً وتجعلها حاملاً من ليلة الدخلة , أريد أطفالاً يملؤون دارنا , أطفال أطفال أطفال في كل الدار , لم أعد أطيق صمت بيتنا الذي يشبه صمت القبور , أريد أن أكون أمّاً ككل الأمهات , كأختي وأختك وبنت عمتي وبنت عمتك , كالدكتورة ريم , أماً ككل الأمهات لأنها هي لن تجيد تربية الأطفال فهي مسكينة ودرويشة ... أخيراً سيكون لي طفل ....
أتعرفين ما كان يفعله زوجي عندما أتكلم هكذا ؟؟؟ كان يبكي , يحضنني ويبكي , لا فرحاً يا دكتورتي , بل حزناً ... لعله توقع ما سيحدث لاحقاً ...
لية الدخلة رقصتُ في عرس زوجي , رقصت كالمجنونة , كالمجذوبة , كحمامة ذبيحة رقصت ...
طلبوا مني أن أنام في بيت أهلي , لكني أصريت على النوم في بيتي , في غرفتي المجاورة لغرفة العروسين , وانتهى العرس , وانصرف المعازيم , وغادر الأهل , وبقينا وحيدين نحن الثلاثة , وبدأت مأساتي وأرقي ...
من ليلتها لم أنم يا دكتورة ريم ... لم أنم ولو للحظة واحدة ... دخلا غرفتهما وبدأتُ أطوف في الدار وأنا أختنق , أصعد إلى السطح والدنيا كوانين والحرارة دون الصفر , أصعد إلى السطح والنار تكاد تخرج من رأسي , ثم أنزل إلى الفسحة لثوان فقط , أتركها لأدخل المطبخ وألملم كاسات الشاي وفناجين القهوة العديدة بعدد الضيوف , وما أن أبدأ بغسلها حتى أنفض يدي وأصعد مرة أخرى للسطح لأستنشق الهواء فأنا أختنق أختنق , كالسمكة في حوض مغلق أرفع رأسي لألتقط النذر اليسير من الهواء ورغم ذلك أختنق ...
وفي لحظة ما في هذه الرحلات المكوكية بين السطح والمطبخ , وبينما أغسل كأساً كبيرة بالماء المتجمد والصابون وعقلي يصرخ كالمصابين بلوثة , قلتُ لنفسي : ماذا تفعلين ؟ تغسلين الكاسات بينما زوجك , حبيبك , رفيق عمرك , عشقك منذ الطفولة يحتضن امرأة أخرى ويضاجعها ؟؟؟ وأنت تنظفين بقايا سهرة عرسه ؟؟؟ ماذا تفعلين ؟؟؟
ووجدتُ نفسي ألتفت لاشعورياً لعلبة الملاعق والسكاكين , وأنتقي بنظري أكبر سكين وأمضاها حداً وأتخيل أنني أرفعها من العلبة وأمشي باتجاه غرفتهما وأفتح الباب وأدخل إليهما بينما هو يدخل بها وأغرز السكين في صدره وصدرها فيتدفق الدم ........
لاااااااااا ... هذا حبيبي ولا أستطيع أن أمسه بريشة ... عدت للنظر إلى الكأس التي أفركها بالليفة والصابون منذ 10 دقائق كاملة فخطرت لي فكرة واقعية , لا فكرة مجنونة كفكرة السكين , ووجدت نفسي أشطف الكأس سريعاً وأهرع إلى غرفتي وأضع الكأس على الجدار بين غرفتي وغرفتها وأصغي ... أصغي بكل تركيز واهتمام ... أبحث عن أي صوت أي همسة أي تنهدة ... وبالفعل سمعتُ شيئاً ما , شيئاً كلهاث مستعجل خفتَ تدريجياً وانقطع فجأة بصوت انفتاح باب غرفتهما وخروج زوجي إلى الفسحة في الظلام ... أخفيت الكأس بثنيات فستاني وهرعتُ إليه ...
كان واقفاً في منتصف الفسحة تماماً ,منحنياً بزاوية قائمة ويديه على ركبتيه ينظر إلى الأرض ويلهث ...
ـ ما بكَ ؟؟؟ سألته فجفل ...
ـ ألم تنامي بعد ؟؟؟
ـ لا ... لم أستطع ...
ـ وأنا أيضاً ... لم أستطع ...
ـ لم تستطع ؟؟
ـ لم أستطع أن ألمسها يا ناديا ... لم أستطع ... 
وانهار زوجي أرضاً ...
دكتورة ريم ... تصوري الموقف : جلسنا في الأرض أنا وزوجي حبيبي لأقنعه , أقنع حبيبي , أن ينام مع امرأة غيري ههههههههههه يا الله ... شيء مضحك مثل نكتة بايخة ... نكتة قديمة ولا تصدق ... امرأة تقنع حبيبها بمضاجعة امرأة أخرى هههههههههه
ـ واقتنع ؟؟؟ سألتُ ناديا ...
ـ نعم ... أجابت بصوت مخنوق ... اقتنع , وفعل ما يجب عليه فعله , لربما فعله لأجلي , أو كي ينتهي هذا كله بأي شكل كان , كأنه يقول : أليس هذا ما تريدونه ؟؟؟ ها قد نفذتُ لكم ما تريدون فاتركوني وشأني حاج ........
ـ وبعدين ؟؟؟
ـ ولا قبلين ... ليلة عندي وليلة عندها , في ليلتها لا أنام , لا أنام للحظة دكتورة ريم , أقضي الليل بطوله حتى الصباح وأذني على الكأس والكأس على الجدار الفاصل بين غرفتينا , أصغي بتمعن : ماذا يقول لها ؟ هل يحادثها كما يحادثني ؟؟ هل يغازلها كما يغازلني ؟؟؟ هل يهمس في أذنها كما يهمس في أذني ؟؟؟ هل يخاطبها وهو يداعبها كما يخاطبني ؟؟؟ هل يداعبها كما يداعبني ؟؟؟ هل وهل وهل ... ليل بطوله يا دكتورة ريم وأنا أتصنت وأسأل نفسي ... وحتى عندما ينتهيان أبقى على الجدار أراقب : هل ناما أم بعد ؟؟؟ هل سيفعلانها ثانية ؟؟؟ 
إذا تكلما يجن جنوني : لماذا يكلمها ؟؟؟ المطلوب منه أن ينجب منها أطفالاً فحسب ... وإذا لم يتكلما يجن جنوني : هل شعرا بي ولذلك يتصنعان الصمت ؟؟؟
ويأتي الصباح , ويخرج زوجي من غرفته فيراني صاحية ويعرف أنني لم أنم بعد ... ويمضي النهار وأعجز عن فعل أي شيء فأنا متعبة مرهقة متوترة أتأرجح يميناً ويساراً كذبالة شمعة توشك أن تنطفئ ...
بيتي ؟ لم أعد أهتم به ... مطبخي ؟ لم أعد أدخله ... أهلي ؟؟ نسيتهم ... أهله ؟؟ أكرههم ... نفسي ؟؟ أهملتها ... روحي ؟؟؟ لا أطيقها ... هي ؟؟؟؟ أتمنى لها الموت ... هو ؟؟؟ أعشق الأنفاس التي يتنفسها ...
ويحلّ المساء , هذه ليلتي , دوري , وهو سينام عندي في غرفتي , فكيف أنام ؟؟؟
دكتورة ريم ليلتي أيضاً لا أنام فيها لحظة ولا أدعه ينام هو المسكين , هو الليلة لي فكيف أسمح له بالنوم ؟؟؟ لا يجب أن تغفل عينه لثانية عني , يجب أن تمر الساعات وهو يدللني ويفعلها معي مرة وأخرى وأكثر , لا يجب أن يهدأ ولا يرتاح , ألحّ عليه , أهلكه , أستنزف طاقته , ومثل مصاص دماء أمتص روحه ...
أتعرفين دكتورتي ؟؟؟ لست أنا فقط من نحلت وفقدت وزني , بل هو أيضاً نحل كثيراً وشحب وهرم , صار يبدو في الخمسين وهو لا زال في السادسة والثلاثين ... لا أنام ولا أدعه ينام , لا أرتاح ولا أدعه يرتاح , لا أهدأ ولا أدعه يهدأ , لا أعيش ولا أدعه يعيش ...
ـ أنتِ تعذبينه يا ناديا ...
ـ أنا أعذبه يا دكتورتي ... ربما أعاقبه ...
ـ على أي شيء ؟؟؟
ـ على أنه تزوجها ...
ـ ولكنك أنتِ من أقنعته بذلك ...
ـ ما كان يجب أن يتزوجها فهو يعرفني , يعرف كم أعشقه , أنا أعشق التراب الذي يغطي حذاءه ... ما كان يجب أن يفعلها فهو يعرفني , يعرف كم أنا مجنونة به , كم أنا متعلقة به , كم أنا عاطفية , كم أنا حزينة ... دكتورة ريم تصوري مشاعره هو لو قلبنا الموقف , تصوري أحاسيسه إن كنتُ أنا في الغرفة المجاورة في أحضان رجلِ آخر بينما هو يسند أذنه على الكأس ويصغي , ماذا كان سيفعل وقتها ؟؟؟ وأي جريمة سيرتكب ؟؟؟ وأية دماء ستشفي غليله ؟؟؟
ولكن أنا , أنا عليّ أن أصمت , أصمت وأحتمل ...
دكتورة ريم أنا لا آكل , لا أنام , لا أحلم , أنا مثل طفلة في دار الأيتام أبكي كل ليلة حتى الفجر , حتى طلوع الفجر , لم أعدْ أرغب بالحياة بعد فحياتي توقفت في تلك الليلة , فراشي صار شوكاً , حياتي صارت جحيماً ... دكتورة ريم أنا مريضة , مريضة , كل ما في مريض , جسدي مريض , عقلي مريض , قلبي مريض , روحي مريضة ... لا دكتورة ريم ... أنا لستُ مريضة , أنا ميتة , أنا جثة , أنا جثة تشعر بكل آلام الأحياء وعذاباتهم .............
..........
توقف الكلام وسكن بيننا صمت ثقيل , لم أعرف ما أقول , كنت أشعر أن ناديا لا تتحدث عن نفسها , لا تتحدث عن تعدد الزوجات ولا عن الغيرة ولا عن الخيانة ... كنتُ أشعر أن ناديا لا تتحدث أصلاً , ناديا ترقص , ترقص على دموعها , على جراحها , على دمائها ... ترقص رقصة كل النساء الذبيحات بالحبّ , رقصة لا تعرفها إلا النساء العاشقات ...........
............
مرت الأيام والشهور , ثمانية عشر شهراً مروا ولم تحمل ابنة الخالة , واستمر البيت خالياً من الأطفال , وغادرتُ البلدة , وفتحتُ عيادة في حلب , وضاعت عني أخبار ناديا , لم أعد أعلم عنها شيئاً , وبصراحة نسيتها ... نسيتها إلى أن جاءني تعليق على الفيس , على صفحتي هذه , تعليق من امرأة تشبه ناديا , مصابة بنفس مرضها , تناذر النساء الذبيحات بالحب , فتذكرتها وقررت أن أكتب قصتها : هذه هي ...
صباح الخير .........
~~~
د . ريم عرنوق

الأسئلة والأجوبة

اكتب سؤالك

الاسم:
الهاتف:
*نص السؤال: