1. الرئيسية
  2. أطبّاء معتمدين
  3. المشافي التي نتعامل معها
  4. ألبوم الصور
  5. مكتبة الفيديو
  6. اتصل بنا

دكتورتي ريم عرنوق

           
  القائمة الرئيسية
  1. أدبيات طبية وإنسانية
  2. العلاقة بين الزوجين
  3. تغذية وفيتامينات
  4. الحمل المبكر و اضطراباته
  5. الإسقاطات والتشوهات الجنينية
  6. الحمل الطبيعي والجنين ورعاية الحامل
  7. اضطرابات الحمل والحمل المرضي
  8. المخاض الباكر والولادة الباكرة ...
  9. الأدوية خلال الحمل ...
  10. الصيام والحمل ...
  11. الولادة الطبيعية والقيصرية
  12. التوتر النفسي أثناء الحمل وبعد الولادة
  13. كل شيء عن فترة النفاس ...
  14. الوليد
  15. تحديد جنس الجنين
  16. الأمراض النسائية ـ مواضيع عامة
  17. كل شيء عن الدورة الطمثية ...
  18. سن البلوغ والمراهقة
  19. سن الثقة ( سن اليأس سابقاً )
  20. الأورام الليفية الرحمية ...
  21. كل شيء عن عنق الرحم
  22. المبيض وأمراضه وكيساته
  23. الثدي وأمراضه
  24. العقم وتأخر الإنجاب
  25. الخصوبة عند الرجل ... كل شيء عن النطاف
  26. وسائل منع الحمل
  27. إجراءات تشخصية وعلاجية في التوليد وأمراض النساء ...
  28. الإيكوغرافي الثنائي والرباعي
  تسجيل دخول المرضى
اسم المستخدم
كلمة المرور

الرئيسية > أدبيات طبية وإنسانية > سأغني من فوق غيمة


تخيّلوا معي المشهد :
كانون الثاني عام 1998 , مدينة حلب , ساحة سعد الله الجابري , الساعة 9 إلا ربع صباحاً , المطر يهطل بغزارة , والحرارة لا تتجاوز ال 5 درجات مئوية , والهواء يعصف في الساحة الباردة الواسعة المفتوحة من كل الجهات حاملاً معه حبات المطر التي تصفع الوجوه ...
طبيبة في الثلاثين من عمرها تلبس معطفاً سميكاً وتغطي رأسها بوشاح صوفي , تقطع الشارع من جهة إلى أخرى لتأخذ سيرفيس حلب ـ تل رفعت وتسافر ل 45 كم إلى البلدة الريفية الصغيرة وتداوم في عيادتها البسيطة ...
الطبيبة لا تملك شيئاً في هذه الحياة سوى زوج محبّ مكافح مثلها وطفلة صغيرة في الروضة ... تسكن بيتاً صغير جداً جداً كأنه غرفة واحدة مقسمة بحيطان لما يشبه الغرف يقع في حيّ شعبي مزدحم وفقير , ولأن طبيبتنا فقيرة فلا قدرة لها على فتح عيادة في مدينة حلب , هي لا تملك حتى الإيجار المرتفع لعيادة في حلب , لذلك فقد استأجرت دكاناً في بلدة تل رفعت الشمالية البعيدة وحولته إلى عيادة , والحمدلله صار لها معارفها ومريضاتها والعمل لا بأس به والقرش على القرش بيعبوا المطمورة .........
الطبيبة كما حكيت لكم لا تملك شيئاً , شيئاً مادياً بالطبع , لكنها تملك روحاً كبيرة , روحاً رقيقة كأرواح الملائكة , صلبة كالحجارة السود في ضيعة أجدادها , روحاً لا تهزم ولا تعرف الهزيمة ولا اليأس ... روحاً وادعة حالمة يستوقفها أي شيء ويلفت انتباهها كل شيء , كأنها تود أن تذوب في العالم وتتشربه ويتشربها لا أن تعيش به , لذلك كانت طبيبتنا تسير على الأرض كأنها تطير , تمشي في شوارع حلب الباردة كأنها تمشي في دورب خيالية لمدينة خرافية في حكاية قديمة لا يصدّقها اليوم أحد ...
وفي لحظة وقوفها على الرصيف تمهيداً لقطع الطريق الغارق في الأمطار , لمحتْ من بعيد سيرفيس تل رفعت قادماً من الكراج باتجاه الشمال , ففرحتْ لأنه لم يتأخر كعادته , وخشيتْ ألا تتمكن من اللحاق به لصعوبة قطع الطريق المزدحم وبالتالي ستضطر إلى انتظار السيرفيس التالي الذي قد لا يأتي لنصف ساعة ...
انتظرتْ طبيبتنا قليلاً والمطر يهطل بغزارة وينقط من وشاحها على وجهها وعينيها فيحجب رؤيتها , وعبرت الشارع بسرعة ... للأسف لم يكن الشارع خالياً فهناك سيارة شيفروليه حديثة فاخرة سوداء اللون آتية بسرعة أيضاً في اللحظة نفسها , وخلال أجزاء من الثانية توقفت الطبيبة قبل حصول الاصطدام مباشرة , ومثلها توقفت السيارة بعد أن رشتها بشلال من الماء الموحل تغلغل إلى ملابسها وحذائها مبشراً ببرد قارس سوف يلحق بقدميها طيلة يومها في البلدة ...
وقفتْ الطبيبة في منتصف الشارع تقطر ماءً ومطراً وخجلاً تحت أنظار الناس الفضولية , بينما فُتح شباك السيارة كاشفاً وجه امرأة أنيقة :
ـ شبك ؟؟؟ ما عم تشوفي بعيونك ؟؟؟ كنتِ رح تضربي السيارة ...
ـ أنا آسفة ... تمتمتْ الطبيبة وهي تدير وجهها بالاتجاه المعاكس لتخفيه ...
ـ العمى على هالناس , بيمشوا متل العميان ...
وأغلقتْ السيدة شباك سيارتها وتابعتْ طريقها ...
أما طبيتنا فقد تمكنت من اللحاق بالسرفيس وصعدته مسرعة وضربات قلبها تتلاحق خافقة كقلوب العصافير الخائفة ...
لم تجرؤ طبيبتنا على التفكير بالموقف الذي حدث قبل دقائق , وتريثتْ حتى يهدأ روعها ويخفّ خوفها وينجلي فكرها ...
سار سيرفيس تل رفعت باتجاه الشمال , شارع فيصل , شارع النيل , شارع تشرين , الليرمون , وأخذ أوتوستراد حلب إعزاز خارجاً من المدينة وسائراً باتجاه البلدات والقرى الشمالية ... تغيّرت المناظر فقد غابت الأبنية تدريجياً وبدأ الريف يلوح , أراضٍ زراعية خصبة خصبة بنية بلون خضاب الدم مترامية المساحات تمتد ملء النظر , هذه مزروعة حنطة وتلك شعيراً والتالية عدساً وبعدها حمصاً , وخلفها في الأفق تلوح أشجار الزيتون الزيتية اللون المنتظمة الصفوف السحيقة القدم ...
هدأ قلب طبيبتنا وصفا عقلها , صارت تستطيع استعادة الموقف الذي جرى : هي من هي وقد صرتم تعرفونها , طبيبة فقيرة لا تملك شيئاً في الحياة تذهب من بيتها الفقير في الحي الشعبي إلى عيادتها الفقيرة في الضيعة البعيدة تلبس معطفاً قديماً ووشاح حماتها الطيبة وقد وضعته على رأسها وهي تدعو لها عند الصباح قبل أن تخرج , أما السيدة الثرية في السيارة الفارهة فمن هي ؟؟؟ أنتم لا تعرفونها بالطبع لكن هي تعرفها , إنها زميلتها الدكتورة فلانة الفلاني , طبيبة مثلها , مثلها تماماً , كانت معها في كلية الطبّ تسبقها بسنتين أو ثلاثة , قبل 10 سنوات فحسب كانتا متساويتين , مع فارق أن طبيبتنا دوماً متفوقة وتلك تدفش تدفيشاً وتشحط المواد شحطاً , واختلفت الخيارات وتباينت المصائر ... طبيبتنا تابعتْ الدراسات العليا في سوريا وتزوجت رفيقها حبيبها الفقير مثلها , وتلك سافرتْ إلى بلد أوروبي مع زوجها الثري ابن العائلة العريقة وعادتْ تحمل شهادة تحتاج إلى أربعة مترجمين ليتمكنوا من ترجمتها لفخامتها ...
طبيبتنا تسكن البيت الذي حكيت لكم عنه , وتلك تسكن شقة فاخرة في أرقى حيّ بحلب , طبيبتنا تسافر في السيرفيسات إلى الضيع البعيدة , وتلك تركب سيارتها السوداء الفارهة بطول 8 أمتار وهي تنتقل من شقتها الفارهة لعيادتها الفارهة , طبيبتنا ترتدي وشاح حماتها وتلك ترتدي معطف الجلد والفرو , طبيبتنا تعاين أهل الريف بأجور زهيدة وتلك تعاين الأثرياء مثلها وتتقاضى أجوراً هاي هاااي ... فكيف ستتمكن طبيبتنا من كشف وجهها أمام تلك في هذه اللحظة التي تقاطعتْ فيها مصائرهما ثانية ؟؟؟
فكرتْ هكذا طبيبتنا وهي تتأمل الرؤوس الخضراء الصغيرة للقمح النامي في التربة التي تتلقى المطر كرحم أمّ وتغذي بذورها بحنان أمّ ... فماذا برأيكم قالت الطبيبة لنفسها ؟؟؟ ولي على حظي المعتر ؟ ليش الدنيا مو عادلة لهالدرجة ؟؟ يا ريت الأرض انشقت وبلعتني ؟؟؟ طيب بشو أنا بفرق عنها لحتى أركب أنا السيرفيسات للضيع وتركب هي الشيفرولات للعيادات الخاصة والمشافي 5 نجوم والقصور أم ال 10 أندونيسيات وفليبينيات ؟؟؟
لالا ... أبداً دكتورتنا ما قالت هيك ... أصلاً هي ما زعلت حتى , بالعكس , ابتسمت في سرها وقالت : فليكن ... العبرة ليست في السيارات والقصور , العبرة فيمن يقدم خدمات أكبر لوطنه , العبرة فيمن يترك أثراً أكبر في بلده وأهله وناسه والإنسانية أجمع , العبرة لمن يسير بخطى صغيرة لكنها واثقة معطاءة ثابتة , وأنا من تسير بهذه الخطى , أنا من هنا , من هذه الحقول , من دكاني في تل رفعت , من سيرفيس تل رفعت الحبيب ... من هنا ... من هذه الطرقات الباردة البعيدة سأسير حتى أصل لكل العالم , لكل امرأة في العالم , سأصعد بهذا السيرفيس القديم لألمس الغيوم , سيأتي يوم إن شاء الله ألمس فيه غيمة , وأسكن غيمة , وأغنّي أغنيتي الخاصة بي من فوق غيمة ...
طيب ........
تلك الطبيبة الثرية غادرت سوريا في أول أيام الحرب , في منتصف عام 2011 , غادرتها لتعمل في وظيفة ليلية بسيطة في مشفى من مشافي مدن أوروبا , طبيبة مناوبة لا يعترف باختصاصها أحد ...
أما طبيبتنا فهي لم تترك سورياها رغم التهديد والحرب والقذائف والدمار , وسارتْ مع ناسها وأهلها ومريضاتها درب آلام طويل صعب , لكنهم جميعاً لمسوا الغيوم ...
أنا هي هذه الطبيبة ...
مع حبيباتي ولاء وتوأمها وأمها وخالتها وابنتها وحفيدها الجديد في مشفى الغزالي صباح يوم الجمعة 3 / 5 ... وصباح الخير ...
~~~
د . ريم عرنوق

الأسئلة والأجوبة

اكتب سؤالك

الاسم:
الهاتف:
*نص السؤال: